14 - 09 - 2026

مؤشرات | الذكاء الاصطناعي والتعليم قضيتنا الغائبة

مؤشرات | الذكاء الاصطناعي والتعليم قضيتنا الغائبة

توضح أبحاث علمية واستطلاعات رأي عالمية وإقليمية حجم مخاوف مرعب من تداعيات الاستخدام غير المنضبط والمُقيَّد للذكاء الاصطناعي، وهو ما يفتح أبوابا بشكل أوسع لمزيد من الرقابة على التوسع في استخدامات الذكاء الاصطناعي، والذي اقتحم كل مناحي الحياة، وخصوصاً في التعليم.

وفي تحذير واضح ودون مواربة بيَّن البنك الدولي أنه يدق جرس إنذار بخصوص رأس المال البشري، بل يمكن القول إنه يمر بمرحلة المشي على طريق من الألغام، وليس مجرد أشواك، بعدما اقتحم التعليم بتوسع غير مسبوق، في وقت تراجع الدور البشري تاركاً الطريق عارياً أمام كل الذكاء الاصطناعي.

ويوما بعد يوم يتغلغل الذكاء الاصطناعي في نسيج الحياة اليومية، وبات الناس يلجأون إليه بصورة متنامية للبحث عن المعلومات الصحية، وتنمية المهارات، واستشارته في المسارات المهنية، وحتى طلب الدعم العاطفي، ومن هنا يجب ألا تخضع الثورات التكنولوجية للتجريب العشوائي.

وما ذكرته دراسة مهمة أعدها "جابرييل ديممبينز" مدير مشروع رأس المال البشري بالبنك الدولي، ترفع من درجة القلق العام والخاص، حيث انتهت إلى ثلاثة آثار كبيرة لاستخدام الطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي، أولها، انخفاض الوقت المستغرق في تأدية الواجبات المنزلية بنسبة 30%، وثانيها، ارتفاع درجات تقييم الواجبات المنزلية بنسبة 18%، والثالثة، تراجع نتائج الامتحانات الشهرية بنسبة 20% وانخفاض درجات امتحانَي القبول المنفصلَين لمراحل مصيرية بنسبة 18% و24% على التوالي.

تأتي الدراسة مواكبة للقاء الذي عقده وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف مع قادة بعض من قادة الراي والصحافة والإعلام، تحت عنوان "جهود تطوير التعليم.. رؤية للحاضر وآفاق المستقبل"، وبحثت في كل ما تم نشره عن اللقاء لم أجد إشارة من الوزير أو من مدخلات حضور اللقاء، عن الذكاء الاصطناعي والتعليم، في وقت يتحدث العالم عن هذا الملف.

إلا أنه في أحاديث سابقة للوزير قال "ن الذكاء الاصطناعي داعم للعملية التعليمية وليس بديلا للعنصر البشري"، كما "شدد على أهمية تمكين الطلاب من التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها من مهارات المستقبل الأساسية، بما يسهم في إعداد جيل قادر على مواكبة التطورات العالمية ومتطلبات سوق العمل"، وذكر "الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم التطورات التكنولوجية خلال القرن الأخير، لما له من دور محوري في تطوير التعليم، خاصة في تحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار"، ولكن كيف نواجه تحديات الذكاء الاصطناعي، لم أعثر شخصياً على معلومات في هذا الاتجاه.

من هنا يأتي الحديث عن دراسة البنك الدولي، فالشواهد تقول "إن أدلة وشواهد جديدة تبعث على القلق، فقد كشفت دراسة حديثة في الصين أنه حينما شرع الطلاب في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من تلقاء أنفسهم، تحسَّن أداؤهم في الواجبات المنزلية، لكن تراجع أداؤهم في الامتحانات تراجعاً حاداً".

ومما تقوله الدراسة "بينما تبدو المخاوف من أن الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يتجنبون القيام بالمهام والعمليات الذهنية التي لا غنى عنها في عملية التعلُّم، فإن التعلُّم شأنه شأن التدريب البدني، لا يُثمر إلا بالمثابرة وبذل الجهد، فمن أراد بناء عضلاته لن يأخذ رافعةً شوكية إلى صالة الألعاب الرياضية، وبالمثل، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة مجاناً تضع، مجازاً، رافعات شوكية لأداء الواجبات المنزلية في أيدي من يملك اتصالاً بالإنترنت".

وتعكس النتائج متوسط الدرجات في جميع المواد الدراسية، حيث نوهت الأرقام إلى الآثار في العلوم الاجتماعية، تليها العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ثم اللغات، حيث اتخذ الطلاب من الذكاء الاصطناعي وسيلة يعتمدون عليها في إنجاز واجباتهم المنزلية، فتحسَّنت درجات تقييمهم فيها، لكن ذلك جاء على حساب تعلُّمهم الحقيقي، الذي انخفض بشكل ملحوظ.

ويجب التنويه إلى أن دور الذكاء الاصطناعي في التعليم يتسع بشكل كبير، فيما نزال غائبين عن أي تقييم لهذا الاستخدام، ومن المهم الوعي بذلك، فلسنا ضد الأخذ بالعلوم الحديثة، ولكن تحت أي رقابة، وبأي ضوابط، مع ضرورة الالتفات للنتائج التي خرجت بها الدراسات حول التجارب في دول أخرى سبقتنا في هذا المجال.

ولنقف عند هذه النتيجة، فقد برز تحديات وعوامل وصدمات أخرى دفعت الطلاب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه أدَّت إلى تراجع أدائهم الأكاديمي، ففي بعض مناطق الصين، لا يعيش كثير من الأطفال مع آبائهم الذين هاجروا بحثاً عن العمل "نفس الحال في مصر".

ومن المخاطر في ملف الذكاء الاصطناعي ما ورد في تقرير رأس المال البشري الأخير للبنك الدولي، وتأكيد على تعرَّض هؤلاء الأطفال لانخفاضات كبيرة في تحصيلهم الدراسي، ويصبح من المحتمل أن يكون بعض طلاب قد لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي استجابةً لهجرة آبائهم؟ وإن صحّ ذلك، فقد يبدو الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن فجوات تعليمية مردُّها في الحقيقة إلى غياب الوالدين.

وجرس الإنذار من حجم انتشار الذكاء الاصطناعي لا يقف عند جهات الاختصاص فقط، بل يمتد إلى تنبيه الآباء والمُعلِّمين خاصة ما ينطوي عليه الذكاء الاصطناعي من مخاطر محتملة على التعلَّم، مع استمرار الدراسات لبحث قطاعات أخرى، وتأثيره عليها، وتبيان كل الحقائق والإيجابيات والمخاطر، حتى لا تقف عند عض الأصابع.
-----------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | الذكاء الاصطناعي والتعليم قضيتنا الغائبة